السيد محمد باقر الصدر
63
دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )
( لا تشرب الخمر ) و ( أكرم الفقراء ) ، وشُكَّ في أنَّ هذا خمر وفي أنَّ ذاك فقير ، وان كان اطلاق التكليف بالنسبة اليه بدلياً لم تجرِ البراءة ، كما إذا ورد ( أكرم فقيراً ) ، وشُكَّ في أنَّ زيداً فقير ، فلا يجوز الاكتفاء بإكرامه ؛ لأن الشك المذكور لا يستبطن الشك في تكليف زائد ، بل في سَعَة دائرة البدائل الممكن امتثال التكليف المعلوم ضمنها « 1 » . [ وأما إذا كان الشك في قيود التكليف ، فتجري فيه البراءة ؛ لأنَّ مردَّه إلى الشك في فعليّة التكليف ] ، وعلى هذا الضوء يعرف أن لجريان البراءة [ ميزانين ] : أحدهما : أنْ يكون المشكوك من قيود التكليف الدخيلة في فعليّته . والآخر : أن يكون [ الشك في الموضوع ، ويكون ] إطلاق التكليف بالنسبة إليه شموليّاً لا بدليّاً « 2 » . فإنْ قيل « 3 » : إنَّ مَرَدَّ الشك في الموضوع الخارجي إلى الشك في قيد التكليف ؛ لان الموضوعَ قيدٌ فيه « 4 » ، فحرمة شرب الخمر مقيدة بوجود الخمر خارجاً ، فمع الشك في خمرية المائع يشك في فعلية التكليف المقيَّد ، وتجري
--> ( 1 ) . أي : أنَّ الشك هنا يكون في الامتثال ؛ لأنَّ المفروض ثبوت وجوب واحد على المكلّف ، ويشك في أنَّ امتثاله يحصل باكرام مَنْ يشك في فقره أم لا ؟ وفي مثله يُحكم بالاشتغال ولزوم اليقين بتحقق الامتثال . ( 2 ) . وأما جريان الاحتياط فله ميزانان أيضاً ، وهما : الشك في صدور المتعلَّق ، والشك في الموضوع إذا كان اطلاق التكليف له بدليّاً . ( 3 ) . حاصله : إرجاع الميزان الثاني لجريان البراءة إلى الميزان الأول الذي هو الشك في قيد التكليف . ( 4 ) . أي : أنَّ وجود الموضوع قيد للحكم ، فالشك في تحقق الموضوع يؤدّي إلى الشك في فعليّة الحكم .